فن

هل حقًا توجد حياة بعد سهام؟

عن السينما بوصفها ذاكرة، وعن الفقد حين يتحول إلى صورة وصوت… «الحياة بعد سهام» رحلة حميمة في الحب والغياب، حيث لا نودّع من نحبهم، بل نواصل الحياة حاملين ظلالهم معنا.

future من فيلم «الحياة بعد سهام»

عام 2023، وأثناء محاولة المخرج نمير عبد المسيح استكمال فيلمه المتوقف في شقته في فرنسا، والذي يحاول عن طريقه أن يفهم الحياة بعد موت والدته من خلال الحكايات والصور والجوابات والكتابات القديمة، وقتها كنت في شقتي في القاهرة أتلقى خبر وفاة أبي، وأحاول، في نفس اللحظة، تخيّل شكل الحياة بعده، رغم مرضه الطويل واختفائه التدريجي.

العذراء والأقباط وسهام ونمير

شاهدت فيلم «الحياة بعد سهام» أثناء عرضه ضمن أفلام بانوراما الفيلم الأوروبي أواخر عام 2025، كان قد عُرض قبلها بالفعل في مهرجان القاهرة السينمائي، ومن قبله في مهرجان الجونة، والذي حصل فيه على جائزتي النجمة الفضية لأفضل فيلم وثائقي، ونجمة الجونة لأفضل فيلم وثائقي عربي. وأظن أنه الفيلم الوحيد في تلك السنة الذي عُرض في ثلاثة فعاليات سينمائية مهمة متتابعة.

لم أكن قد شاهدت فيلم نمير عبد المسيح الأول «العذراء والأقباط وأنا» الذي عُرض عام 2011، وهو أمر غير ضروري لمشاهدة فيلمه الثاني، لكنه كان مفيدًا بالنسبة لي لإلقاء نظرة أقرب على علاقته بوالدته سهام.

في بداية فيلم «العذراء والأقباط وأنا»، تحث سهام نمير على صناعة فيلمًا مفهومًا، حيث وصفت فيلمه الأول الروائي القصير «شيء سيء – Quelque chose de mal» المعروض عام 2005، بأنه ملغزًا ويناقش خمسون فكرة في وقتٍ واحد، لذلك تحمست إلى حدٍ ما لمشروعه الجديد، فيلمًا تسجيليًا عن حدث ظهور العذراء مريم في كنيسة الزيتون في القاهرة عام 1968.

يبدأ الفيلم من فرنسا، ثم ينتقل إلى القاهرة، وبعد الكثير من التخبّط وعدم الوصول إلى شيء، يقرر نمير الذهاب إلى أسيوط لحضور «مولد العدرا» الذي يحج له ما يقرب من ثلاثة ملايين مسيحي في مصر.

يقابل نمير في أسيوط بعض أفراد عائلته في مصر، ثم يقرر قضاء الوقت معهم في منزلهم. تعارض والدته سهام تصويره لعائلتها خوفًا على صورتها أمام صديقاتها، بسبب فقر عائلتها المدقع، لا يعبأ نمير بغضبها ويصوّر عائلته كما يريد. بعد عدة أيام ينسحب المنتج الفرنسي من الفيلم اعتراضًا على ما أسماه «قضاء إجازة عائلية» تعليقًا على ما يفعله نمير.

يركض نمير نحو أمه، كأي طفل وجد نفسه فجأة بلا شبكة أمان. يتفق معها أن تُنتج هي الفيلم ويقترح عليها تمثيل ظهور العذراء بممثلين، منهم أفراد عائلته. توافق سهام على مضض، وتخبره بأن فيلمه – الذي تنتجه هي – هو محض هراء.

تدريجيًا تتحمس سهام للمشروع، في البداية إنقاذًا لنمير، ثم بعد ذلك تبدي اقتناعًا – بسيطًا – به، رغم عدم رضاها بالكامل عن الفيلم. ينهي نمير فيلمه بمشهد شديد العذوبة لأهل القرية وهم يشاهدون أنفسهم على الشاشة، وفي الصباح يسير نمير بجانب والدته، تحت نظر العذراء مريم، عائدين إلى فرنسا، ومعهم فيلمهما، الذي قرّبهم بالفعل من بعضهم البعض.

الحياة مع سهام لبعض الوقت

يبدأ فيلم «الحياة بعد سهام» من حيث انتهى فيلم «العذراء والأقباط وأنا»، بمشاهد يجمع بين نمير وسهام، مع وعد بعمل فيلمًا روائيًا عاديًا بممثلين، أو فيلمًا تسجيليًا لسهام، قبل أن يأتي الخبر على صورة رسالة صوتية من الطبيب يخبر فيها سهام أن نتائج الفحوصات جاءت ويود الطبيب أن يراها، ثم نرى تصوير جنازتها.

يقول نمير في حواره مع مجلة Variety، إنه حاول تصوير والدته قدر الإمكان عندما علموا بأمر إصابتها بالسرطان، لكن الزمن لم يمهله كثيرًا. وفي حواره مع إذاعة مونت كارلو، قال نمير إنه تحدث مع مدير التصوير نيكولاس دوشين، الذي صوّر فيلمه السابق، كي يصوّر جنازة والدته، وأن فيلمه القادم، الذي لم يعرف وقتها عن ماهيته شيئًا، سينطلق من تلك الجنازة.

بعد الجنازة، يحاول نمير تتبع أثر سهام في كل شيء. يلجأ إلى الذاكرة، والجوابات/الرسائل التي أرسلتها سهام إلى وجيه (والد نمير) أثناء وجودها في مصر ووجوده في فرنسا في أواخر الستينيات من القرن الماضي. تلك الرسائل التي لو قُرئت أثناء حياة سهام ستكون مثارًا للمزاح والتأثر الهادئ، لكنها بعد موتها تصبح قراءتها أثقل من جبل.

في اليوم التالي لدفنة أبي جلست أمام شاشة اللابتوب البيضاء أحاول الكتابة عن أي شيء يخصه. تذكرت صوره أثناء لعبه لكرة القدم في فرق الناشئين بنادي الزمالك، ثم تذكرت أنه كان يقضي وقته في بعض الأحيان وحيدًا لأن والده تركه صغيرًا وتزوج امرأة أخرى وسافر معها. هذه الحقائق العادية التي ذكرناها كعائلة مرات عديدة بتأثر بسيط أو بلا تأثّر، تحولت فجأة إلى فكرة حزينة مثيرة للبكاء.

لم يتمكن نمير عبد المسيح من التعامل مع الأرشيف الخاص بالأم، أبهره ضوء الذكرى، ووجد صعوبة في حث أبيه – الذي يكره الكلام أمام الكاميرا – على الكلام، رغم أنهم، بحسب تعبير عبد المسيح، ليسا قريبين من بعضهما البعض ولا يتحدثان كثيرًا. لذلك اضطر للتوقف لمدة أربع سنوات، قبل أن يتمكن من معاودة التصوير مرة أخرى.

في تلك الفترة، وأثناء البحث عن سهام التي لم يعرفها نمير، أو سهام ما قبل الزواج والأمومة، بدأ نمير التفكير في استخدام أرشيف الذكريات، ودمجها بأرشيف آخر بذكاء وخفة تقلل من ثقل تلك الذكريات، يحقق به رغبة أمه في استخدام ممثلين محترفين في أفلامه، حيث دمج بين حكايات والده عن والدته، بمقاطع من أفلام يوسف شاهين، وتحديدًا فيلمي «عودة الابن الضال» الذي عُرض عام 1976، و«فجر يوم جديد» الذي عُرض عام 1965.

في واحد من ألطف مشاهد الفيلم، يحكي والد نمير عن أول قبلة بينه وبين حبيبته في ذلك الوقت، سهام، على سلالم برج القاهرة، حيث انقطعت الكهرباء عن البرج وهما بالأعلى. فاستغل وجيه الظلام وقبّل سهام. يدمج نمير تلك القصة الطريفة مع مشهد صعود برج القاهرة على الأقدام بين سناء جميل وسيف الدين (سيف عبد الرحمن) من فيلم «فجر يوم جديد»، فيمثّل المشهد وكأن والده هو سيف الدين، ووالدته هي سناء جميل.

في مشهد آخر، يحكي نمير عن علاقة بين والدته وأحد الرجال قبل أن تعرف أباه، ثم بعد اختفاء هذا الشخص، قررت سهام أن تحب أول من يتقدم لخطبتها فكان وجيه. ثم عاد هذا الشخص مرة أخرى، لكن ما حدث كان قد حدث، ولم تعد سهام لهذا الشخص مرة أخرى. يصوّر نمير هذه العلاقة من خلال علاقة علي وفاطمة وطُلبة (أحمد محرز، سهير المرشدي، شكري سرحان) في فيلم «عودة الابن الضال»، العلاقة التي انتهت نهاية شديدة المأساوية. لحسن الحظ كانت قصة علاقة أبيه وأمه أفضل كثيرًا من تلك النهاية.

هل هناك حياة بعد سهام؟

خلال محاولات نمير لتصوير الفيلم، تتدهور حالة والده الصحية ويضطر للعيش في دارًا للمسنين. يخبره الأطباء – بحسب تعبيره – أن أيامه باتت معدودة. يبدأ نمير في تسجيل لحظاته مع والده حتى يتمكن من الاحتفاظ بها وأرشفتها على شاشة السينما. شاشة السينما بالنسبة لنمير هي الذاكرة لكل من تركونا، وهي أيضًا النافذة التي يفهم من خلالها العالم.

أثناء سيري في الشارع مع أحد أصدقائي، وبعد مرور عام على وفاة أبي، أخبره أنني لا أفهم ما يحدث في العالم، بخصوص كل الأحداث الكبرى، الحب والأبوة والصداقة والموت، إلا من خلال السينما. أحمل نعش أبي فأتخيل أن هناك كاميرا موضوعة على رافعة تتبع خطواتنا وتصور لقطة التحرك بين نقطتين، وعندما نصل إلى المدفن أتصورها تنزل معنا إلى القبر وتلتقط المشهد بكل زحمه الشعوري بإضاءة خافتة تؤكد معنى الفقد. لذلك عندما شاهدت الفيلم تصورت أننا – أنا ونمير – نتشارك في تلك النقطة تحديدًا، مما زاد من إعجابي وتأثري بالفيلم.

في أحد مشاهد الفيلم يعود نمير مرة أخرى إلى قريته في أسيوط، يحاول البحث عن الجزء المفقود من حكاية والدته هناك، حيث عاشت فترة من الزمن، فترة لم ولن يراها نمير إلا من خلال حواديت الأقارب والأحباب. في تلك المشاهد يضع نمير مشهدًا من فيلمه التسجيلي الأول، يجلس فيه بجانب من وصفهم بأنهم أمهات نمير، والدته وخالته التي ربته صغيرًا وجدته، الثلاثة سيفقدهم نمير تباعًا بعد تصوير هذا الفيلم.

يعود نمير في نهاية الفيلم إلى والده، يبحث معه عن الحب الذي لم يعبّرا عنه لبعضهما البعض خلال حياته. تتخلل مشاهد الفيلم أغنيات عاطفية شديدة الرقة، عن الهجر والفراق والحب، «يا مسافر وحدك وفايتني، ليه تبعد عني وتشغلني؟»، و«أنا لك على طول خليك ليا، خد عين مني وطل عليا، وخد الاتنين واسأل فيا، من أول يوم راح مني النوم».. ألا ترى أنها يمكن أن تنطبق على سهام؟ ألا ترى أن أحبائنا الذين فارقونا قد يطلّون علينا من آن لآخر؟

دون حرق للأحداث، يموت والد نمير في نهاية الفيلم، بعدما تصالح نمير تمامًا مع أننا قد نبقى في الحياة قليلًا بعد أن نفقد أحبائنا. بالطبع قد نشعر ببعض الغربة كما عبّر فؤاد حداد في قصيدة «الضاد» من ديوان «أيام العجب والموت»: «قلب زين العابدين ودّاد: قال ما غرّبنا ولا غلّبنا إلا أن نفقد حبايبنا». لكننا، رغم تلك الغربة، نكمل رحلتنا في الحياة، إلى أن نلقاهم جميعًا في نهاية المدى، حيث لا فقد ولا اغتراب.

top-ads

# منحة محمد أبوالغيط 2026 # سينما

السينما كشهادة في «صوت هند رجب»
من الدعوة للسلام إلى إحراق غزة: كيف تورّط اليسار الإسرائيلي في التطرف؟
آخر أيام «الجريمة والعقاب»: سيرة «الكوميديا الإلهية» لمخرج في شوارع طهران

فن